جاستون فييت والفن الإسلامي Gaston Wiet et les arts de l’Islam
جاستون فييت والفن الإسلامي Gaston Wiet et les arts de l’Islam
إشراف: كارين جوفان. وتحرير: فريديريك أبيكاسيس، ماتيو جوس، نجلاء حمدي بطرس.. وترجمة: منحة البطراوي، داليا شمس، ونرمين خفاجى.
جاستون فييت؛ مستشرق فرنسي لمع وسطع نجمه في القرن العشرين؛ حيث تولى إدارة واحد من أكبر المتاحف الخاصة بالفنون الإسلامية وهو دار الآثار العربية بالقاهرة (متحف الفن الإسلامي حاليًّا) واستمر مديرًا له طيلة خمسة وعشرين عامًا في الفترة من عام 1926م إلى 1951م. إلا أن علاقة فييت بمصر لم تبدأ بتوليه هذا المنصب؛ بل يعود تاريخها إلى بدايات العقد الأول من القرن العشرين.
في دراسات متنوعة تناولت سيرة ومسيرة فييت من جوانب متنوعة؛ تستهل كارين جوفان من قسم الفن الإسلامي بمتحف اللوفر بباريس بتعريف وافٍ عن مشوار جاستون فييت من الميلاد والنشأة وحتى وفاته؛ مارة بلقطات متنوعة وثرية لحياته الشخصية والعائلية التي ألقت بظلالها على مشواره العملي والأكاديمي.
«جاستون فييت (18 ديسمبر 1887م – 20 إبريل 1971م) ما بين مصر وفرنسا».. لأسرة تهتم بالترجمة والآداب؛ وُلد جاستون فييت بفرنسا والتحق بمعهد اللغات والحضارات الشرقية في عام 1908م واهتم بدراسة اللغة العربية في الأساس، وكان مُلمًا بالفارسية ومحبًا للموسيقى وعازفًا.
بتوصية من بول بواييه – مدير معهد اللغات والحضارات الشرقية – بدأ مشوار فييت العلمي؛ حيث زكاه بواييه عند ماكس فان برشم بجينيف في سويسرا قائلاً: «هذا الشاب الذي لم يبلغ بعد الواحد والعشرين ربيعًا حصل بالفعل على ثلاث إجازات في لغات العالم الإسلامي، وهو مستعرب جيد وملم بالفارسية إلا أنه مستجد تمامًا في مجال الآثار».. وبالفعل سافر جاستون فييت إلى مدينة جينيف وهناك التقى بأستاذه ماكس فان برشم والذي تتلمذ له لسنوات وشاركه فيما بعد العمل في مجال النقوش والكتابات الآثرية، ولتكون بداية لعلاقة الصداقة التي نشأت بينهم وأثمرت إنسانيًّا وعلميًا. وبتوصية أخرى من بواييه إلى مدير معهد الآثار الشرقية بالقاهرة؛ التحق فييت بالمعهد بصفته طالب مقيم بالقاهرة ليبدأ مشواره فيها في عام 1909م عقب عودته من جينيف.
بدأ فييت في القاهرة بالعمل على بعض الأبحاث التاريخية والتحقيق اللغوي للخطط المقريزية. وداخل أروقة المعهد التقى بجان ماسبيرو وإيتيان كومب ولوي ماسينيون حيث ربطتهم أواصر الصداقة.
وتبدأ كارين في هذا الجزء باستعراض مشوار فييت الأكاديمي حيث عُين مدرسًا للغة العربية والتركية بجامعة ليون بفرنسا في عام 1912م، ثم عاد مجددًا للقاهرة واستطاع أن يعمل مدرسًا لتدريس الأدب العربي بجامعة القاهرة، والعمل بالتواز على رفع النقوش والكتابات في صعيد مصر. مرورًا بفترة تجنيده أثناء الحرب العالمية الأولى التي أوقفت مساره العلمي لسنوات. إلى أن عاد مجددًا إلى القاهرة حيث عُين مديرًا لدار الآثار العربية خلفًا لعلي بك بهجت. كما كشفت كارين عن جوانب متنوعة وثرية لجاستون فييت ومنها ترجمته لبعض الأعمال الأدبية منها الأيام لطه حسين ويوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم والتي نُشرت في مجلة القاهرة التي صدرت لأولى أعدادها في عام 1938م. واستعرضت كذلك مشواره الأكاديمي عقب تركه لمنصبه في عام 1951م وعودته مرة أخرى إلى فرنسا وتفرغه للتدريس والكتابة الأكاديمية.
وفي الدراسة التالية «دار الآثار العربية.. مدير ومقتنيات» لكل من محمد أحمد عبد السلام من متحف الفن الإسلامي بالقاهرة وإيتيان بلوندو من متحف اللوفر بباريس استعرضا جانب مهم لفييت بصفته مديرًا لدار الاثار العربية (1926- 1951م) وأهم مساهماته في تاريخ الدار. والتي يمكن تأطيرها بأن فييت تولى إدارة الدار وعدد مقتنياتها 6929 قطعة وترك منصبه وعدد مقتنيات الدار تجاوز الـ 17000 قطعة. منتهجًا التزويد المعتمد على التغذية النوعية وفقًا للتسلسل التاريخي والجغرافي لسد الثغرات في المجموعات ومعتمدًا بشكل كبير على سياسة الإهداء وتعزيزها وقد استطاع ضم مجموعة رالف هراري للمتحف في عام 1945م حيث جمعت الصداقة والعلاقات الطيبة بينه وبين رالف هراري مما شجع الأخير على إهداء قطع كثيرة متنوعة للمتحف. وتطرقت الدراسة إلى ضعف الإمكانيات المادية لدار الآثار العربية آنذاك مما قيد حركة الشراء من جامعي التحف والمقتنيات. إلا أن فييت ساهم بشكل ما في تعزيز المقتنيات بطرق متنوعة كما أشرنا.
كما أصدر فييت سجل عام لمقتنيات دار الآثار العربية (17 مجلدًا ما بين 1929- 1971م) بداية بسجل للمشكاوات الزجاجية المموه بالمينا صدر في 1929م ثم سجل للقطع المعدنية وآخر لشواهد القبور والنقوش التاريخية المدونة على الأحجار. وهنا نقف أمام سياسة فييت الناجحة في تشجيع الآثاريين في العمل في هذا السجلات والإلمام بتقنيات التسجيل والنشر وعلى رأسهم حسن الهواري وحسين راشد.
أما دينا باخوم فهي تسلط الضوء على الدور الذي لعبه جاستون فييت كعضو أساسي ومهم في لجنة حفظ الآثار العربية بصفته الوظيفية كمدير دار الآثار العربية. في دراسة مميزة بعنوان: «عالم يشارك في فلسفة وسياسات حفظ الآثار العربية». وأشارت باخوم أن اللجنة في اجتماعها في 5 يناير 1926م تحمست لتولي فييت للدار خلفًا لعلي بك بهجت، وتأملت في فييت أن يساهم في نشر مقتنيات الدار وتخريج جيل من المصريين يتولوا زمام إدارة الدار وأقسامها المختلفة فيما بعد وهو ما حدث بالفعل. كما تطرقت باخوم لآراء فييت بخصوص بعض القرارات المتعلقة بترميم وتجديد وإعادة البناء أحيانًا التي قامت بها لجنة حفظ الآثار العربية. وأشارت للعلاقات الطيبة التي جمعته بأعضاء اللجنة على مدار سنوات عديدة ومنهم على سبيل المثال الأستاذ حسن عبد الوهاب.
وكان شغف جاستون فييت بالفن الفارسي محور دراسة جوديت هنون – رينوه من متحف اللوفر بباريس بعنوان؛ «جاستون فييت والفن الإيراني». فجاستون فييت ملم بالفارسية ايضًا إلى جانب العربية وأن كانت العربية هي الأساس عنده. إلا أن هذا لم يمنع ولعه وشغفه بالفنون الإيرانية فقد شارك في معرض الفن الفارسي الذي أقيم في لندن عام 1931م؛ حيث شاركت دار الآثار العربية بمجموعتها الخاصة بالفنون الإيرانية في المعرض. ليعود بعد ذلك فييت وينظم معرضًا للفن الإيراني في القاهرة بالتعاون مع جمعية أصدقاء الفنون؛ ضم المعرض مجموعة كبيرة ومتنوعة شملت 244 قطعة خزفية، 222 منمنمة، 155 سجادة، 137 قطعة معدنية، 16 قطعة خشبية، 120منمنمة من مجموعة شستر بيتي. الأمر الذي ساهم في تعريف الدارسين للفن والعمارة الإسلامية بمصر بجانب مهم، ورافد شرقي من بلاد فارس. وفي عام 1937م قام بإعداد معرضًا لمجموعة شريف صبري والتي تضم مجموعة مميزة من المنمنمات وإعداد كتالوج خاص بها. ومعرض آخر في عام 1947م قدم فيه لأول مرة مجموعات من الخزف المنسوب لمدينة قاشان/ كاشان والري كانت تعرض للمرة الأولى. مما شجع البعض على التعمق في دراسة الفنون الإيرانية والنشر فيها وعلى رأسهم حسن عبد الوهاب الذي أصدر الفنون الإيرانية فيما بعد. كما عزز فييت مقتنيات دار الآثار العربية في هذا المضمار بإضافة بعض قطع المنسوجات الإيرانية المهمة.
ولم يكن شغف فييت محصورًا في المعارض المتحفية والفنية المهتمة بالفن الفارسي فقط، بل نشر مقالاً عن «الفردوسي» صاحب الشاهنامه الشهيرة في عام 1936م. وله نشر مهم عن مئذنة جام التي كانت تمثل اكتشاف حديث مهم آنذاك من خلال قراءة النقوش الكتابية الخاصة بالمئذنة وتحليل مضامينها. وشارك في موسوعة مهمة نُشرت تحت إشراف آرثر بوب Survey of Persian Art حيث ساهم فييت دراسة عن الكتابات العربية في إيران.
وفي دراسة بعنوان «الفنون الإسلامية من خلال النقوش والكتابات» تصطحبنا كارين جوفان من متحف اللوفر بباريس؛ لجزء مهم ومؤثر في حياة جاستون فييت وهو بداية علاقته بماكس فان برشم وولعه بدراسة النقوش والكتابات ودور برشم في حياته من خلال نشر كثير من المراسلات الخاصة بينهم ومسودات لبعض الأعمال التي جمعتهم.
أما مسك الختام فكان مع مرسيدس فوليه تحت عنوان «من الفاطميين حتى العائلة الخديوية؛ تجسيد تاريخ مصر الإسلامية من خلال آثارها ومجموعاتها وصورها». حيث تناولت جانب مختلف في حياة جاستون فييت؛ بداية من العوامل التي تضافرت معًا فأثرت شخصيته الفنية والعلمية، مرورًا بنقاط ضعفه من وجهة نظره هو – فييت – التي لخصها في عصبيته والتي قد تتعارض مع تخصص الآثار الدقيق وما يستلزمه من صبر ومداومة.
وأخذت فوليه على عاتقها نقد وتحليل دراسات جاستون فييت العلمية والتي أجملتها في سطور ثرية: «لقد شكلت القطعة الفنية بالنسبة لفييت مصدرًا تاريخيًّا في المقام الأول. وهذا التوجه جعل منه حقًا مؤرخًا استثنائيًا للثقافة المادية والبصرية لمصر الإسلامية بداية من عهد الفاطميين وحتى العائلة الخديوية... وإن لم يكن فييت مؤرخًا للفن بالمعنى التقليدي الذي يستلزم معه قدرته على فحص القطع والتحقق من أصالتها وتثمينها وبيان جودتها الجمالية مقرًا بما هو أصلي وما هو غير أصلي». إلا أن فييت أحب القطع الفنية وأخلص في دراستها وتوظيفها في دراسة التاريخ والإلمام بجوانبه المتنوعة.. وأشارت مرسيدس فوليه أيضًا للجزء الخاص بمساجد مصر الذي شارك فيه فييت لوي هوتكير في إصداره في ثلاثينيات القرن العشرين والذي عبر عن ثقافته وإطلاعه الواسع. وركزت فوليه على قضية الأوقاف وموقف فييت منها والذي كان مخالفًا لما هو سائد آنذاك – مطالبًا برفع الصبغة الدينية عن الاهتمام بالأبنية التاريخية والأثرية والتراثية والتي كانت تتبع أغلبها وزارة الأوقاف- وإسنادها لهيئة مستقلة تتعامل بشكل فني وتاريخي مع المساجد والمبان التراثية المتنوعة على حد سواء بهدف حفظها للأجيال القادمة خاصة مع زيادة أعداد القصور والدور المهملة آنذاك في مصر والتي لم يكن لها أوقافًا خاصة بها للإنفاق عليها والعناية بها وصيانتها.
وتناولت فوليه دور جاستون فييت في نقل ونشر المعارف الأساسية الخاصة بالفنون والعمارة الإسلامية بشكل عام إلى طلبة مدرسة اللوفر من خلال سلسلة من المحاضرات الأكاديمية في الفترة من عام 1933م وحتى عام 1934م؛ سلط فيها الضوء على الفنون الإسلامية في محيط البحر المتوسط، والوظيفة الزخرفية للأبجدية العربية وآليات زخرفة الخط العربي والحروف ومقاطعها. وكذلك سلسلة متنوعة عن القطع الفنية المتنوعة من الفن الإسلامي اعتمادًا على نماذج من مقتنيات دار الآثار العربية – متحف الفن الإسلامي بالقاهرة – لا سيما تلك التي ترجع إلى عهد الفاطميين. كما تطرق فييت في محاضراته أيضًا إلى اصطلاح الفن العربي والفن الإسلامي الأعم الذي يشمل فنون بلاد المغرب وإسبانيا. ولم يغفل دور الفن الساساني والبيزنطي كروافد للفن الإسلامي، ووحدة الفن الإسلامي وتنوعه الجغرافي الذي جعل من كل منطقة جغرافية شخصيتها المميزة والمبتكرة. حتى تصل بنا في الختام إلى آخر مشروعاته الفكرية التي انشغل بها عقب عودته من مصر بعد عام 1951م.
يلي ذلك الجزء الخاص بالدراسات الأكاديمية؛ ألبومًا للصور والوثائق الخاصة بأرشيف جاستون فييت بقسم الفنون الإسلامية في متحف اللوفر بباريس. وختامًا بقائمة بأسماء الأرشيفات التي تم اعتمادها بشكل أساسي في التوثيق والتأريخ لحياة جاستون فييت ومشواره الأكاديمي من خلال هذا الكتاب الذي يصدر بمناسبة مرور خمسون عامًا على وفاته.
من منشورات جاستون فييت بـ الحوليات الإسلامية ANLS:
قائمة بأهم أعمال جاستون فييت؛ أعدها أندريه ريمون:
من مقتنيات جاستون فييت المحفوظة بمتحف اللوفر بباريس:
العدد الحادي عشر الصادر من «حوليات إسلامية» في عام 1972 في تأبين جاستون فييت:

Comments
Post a Comment